ربيع العبادة

الكاتب: الشيخ حسن الصفار

العدد القراءات: 1172

تاريخ النشر: 2011-08-08

ربيع العبادة:

من أهم منافع الصوم، هو الانتصار للجانب الروحي، من حياة الإنسان، حيث يبقى الإنسان طوال السنة منغمسا في المادة، منساقا خلف متطلباتها، مهتما بمشاكلها، فيستغرق الجانب المادي الكثير من تفكيره وجهوده، فذا ما استمر على هذا الوضع يخاف عليه من طغيان الجانب المادي، على الجانب الروحي كليا، فتحتل المادة كل شيء في حياته.

وانطلاقا من هذا الموضوع لابد للإنسان من فترة يقوم فيها برحلة هادفة، إلى عالم الروح والمثل والقيم. ولكن أي وقت يكون موسما لهذه الرحلة الهامة؟

وشهر رمضان.. الذي اختاره الله لأن يكون ظرفا لإنزال رحمته .. وهدايته للبشر، المتمثلة في الكتب السماوية المقدسة. جدير أن يكون موسم هذه الرحلة الشيقة، ففرض فيه الصوم، كمركبة ضخمة لهذه الرحلة، وزودت بآليات تزيد في ص عتها، ليصل الإنسان وبسرعة إلى عالم الفضيلة والسمو. وتلك الآليات هي أعمال البر والإحسان، حيث يضاعف ثوابها، ويجزل الأجر للقائم بها، فتصبح الفريضة فيه كسبعين فريضة في غيره، والنافلة كالفريضة..

وبذلك يصبح شهر رمضان ربيع العبادة، وموسم التقرب، وفرصة الاستجمام.

ويبدو أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان في كل عام قبيل شهر رمضان، وفي الأيام الأخيرة من شعبان يخطب ويهيأ الأمة لاستقبال شهر الله فهناك روايات عديدة وبتعابير مختلفة عنه حول هذه المناسبة منها ما روي عن الإمام الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم جميعا افضل الصلاة والسلام) قال: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) خطبنا ذات يوم فقال:

" أيها الناس انه قد اقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة شهر هو عند الله افضل الشهور، وأيامه افضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته افضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من آهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فسلوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فان الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعشمكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيامكم، وتوبوا إليه من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم، فإنها افضل الساعات ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.

أيها الناس إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أن الله تعالى ذكره اقسم بعزته أن لا يعذب المصلين والساجدين، وأن لايروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين.

أيها الناس من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه. قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وليس كلنا يقدر على ذلك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم):

اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء، فان الله تعالى يهب ذلك الأجر لمن عمل هذا اليسير إذا لم يقدر على أكثر منه.

أيها الناس، من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أذى فيه فرضا كان له ثواب من أذى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة علي ثقل الله له ميزانه يوم تخف الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيه من الشهور.

أيها الناس، إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فسلوا ربكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة فسلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم" الخ

وإذ نستقبل الآن شهر رمضان المبارك، ينبغي أن نشكر الله ونحمده إذ انعم علينا بالبقاء لنكون في ضيافة هذا الشهر الكريم، فكم من إنسان قد قضى نحبه بين شهر رمضان الماضي وهذا الشهر؟ وكم من إنسان كانت حياته مهددة بالفناء بين لحظة وأخرى، بصورة طبيعية، أو بالحوادث المفاجئة، إلا أن الله حفظه وأبقاه لينعم ويرفل بهذا الشهر، فعلى هذا ينبغي أن نشكره إذ جعلنا من الأحياء وأتاح لنا فرصة لنتزود بهذا الشهر الكريم. ونسأله تعالى أن يوفقنا لصيام هذا الشهر بكماله وتمامه، وان يجعلنا فيه من سعداء خلقه اللهم سلمنا لشهر رمضان وتسلمه منا وسلمنا فيه حتى ينقضي عنا شهر رمضان وقد عفوت عنا وغفرت لنا ورحمتنا" .